حضرموت الثقافية
ثقافة وإبداع
جماليات الزخرفة والعمارة في فلسطين ومحاولة تهويدها

جماليات الزخرفة والعمارة

في فلسطين ومحاولة تهويدها

                                                        نبيل محمود السهلي     

يتمتع فن الزخرفة في فلسطين بخصائص ميزته عن هذا الفن في الدول الأخرى في بلاد الشام، ومرد ذلك الصفة القدسية التي انفردت بها فلسطين عن سواها، كما فرضتها ظروف الزيارات والحج التي يمارسها المؤمنون، على اختلاف دياناتهم، الى الأماكن المقدسة في القدس والناصرة والخليل ورام الله وبيت لحم ونابلس وغيرها من مدن فلسطين.
ومن المعروف لدى المتابعين لفن الزخرفة ان هذا الفن في فلسطين يحمل في طياته الطابع العربي الاسلامي في المقام الأول، شأنه في ذلك شأن فن الزخرفة في بلاد الشام، هذا الطابع الذي انتشر بسرعة كبيرة منذ صدر الإسلام، إذ تشير الدراسات التاريخية الى استقلال فن الزخرفة في فلسطين عن أي طابع آخر وفي شكل خاص عن الطابع البيزنطي، وتمتعه بمميزات خاصة. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة الى وجود عدد كبير من المفارقات بين فن الزخرفة الرومانية والبيزنطية في بلاد الشام، لكن الثابت أن الذي قام بعملية البناء والزخرفة هم مواطنو تلك البلاد من العرب.
فإذا اتخذت الزخرفة والعمارة الإسلامية في فلسطين في ما بعد الطابع المحلي، فإن ذلك من الأمور الأساسية، ويتوافق مع مبدأ الاستمرارية الذي يحققه السكان الأصوليون الذين انضووا تحت الثقافة الجديدة سواء أسلموا أم بقوا على دينهم. وتكوَّن الفن الاسلامي بروح جديدة أشبعت بالثقافة الجديدة التي توسعت حدودها وعلومها وفلسفتها، فكان الجمال الصفة الملازمة للزخرفة. ولكن العمارة العربية الإسلامية في فلسطين أصابها كثير من الأزمات التي أضعفت وجودها أو تركت آثار الغرباء فيها. بيد أن الشواهد الماثلة للعيان في فلسطين حتى اليوم، وعلى رأسها جماليات الفن وزخرفة العمارة في منشآت الحرم القدسي الشريف، جعلت للزخرفة في فلسطين مميزات وطابعاً خاصاً.
وتشير الدراسات التاريخية الى أن فن الزخرفة العربية والإسلامية في فلسطين ارتكز في شكل أساسي الى مبدأ الأمن والجمال اللافت للناظرين، وقد تحقق الأمن في البناء والزخرفة من خلال استخدام مواد صامدة في وجه عوامل الطبيعة ونوائب الزمن والاحتلالات، في حين تحقق الجمال من خلال استخدام الزخارف من الرقش العربي اللين أو الهندسي، ناهيك باستخدام الخط العربي. وازدانت عمارة فلسطين بزينة فريدة تنفرد بها عن غيرها من بقاع الأرض من خلال استخدام الزخارف والرسوم الملونة التي صنعت منها بفصوص الفسيفساء في قبة الصخرة والمسجد الأقصى وقصر هشام في أريحا على سبيل المثال لا الحصر. وتشير دراسات إلى ان فن العمارة في فلسطين لم يقتصر على بناء المساجد التي نرى شواهدها في القدس وحيفا ونابلس والرملة ممثلة بالمئذنة البيضاء التي ما زالت حاضرة حتى الآن.
وكذلك لم تقتصر عملية فن العمارة والجمال في فلسطين على القصور التي ما زالت شاهداً عليها مثل: قصر المفجر وقصور البادية الرائعة والآخذة في جمالها ورونقها، بل ثمة حانات وسبل وأسواق وحمامات ومدارس وأضرحة. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة الى الخانات التي تعتبر فنادق يأوي اليها المسافرون من تجار وزوار، تخصص الطبقات السفلى منها للقوافل التجارية والبضائع، أما الطبقات العليا فمخصصة للنوم والإقامة، وتنتشر خارج الخانات السبل والحوانيت، ومن أشهر الخانات في فلسطين خان التجار في نابلس. ومن أشهر السبل سبيل السلطان قييتباي في القدس الغني بزخرفته وقبته الرفيعة الدقة والجمال، وفي عكا على الساحل الفلسطيني تنتشر سبل منها سبيل الطاسات ويعود تاريخه الى القرن الثامن عشر. والسبل هي أماكن لتقديم الماء لمحتاجه، وتكون مستقلة أو ملحقة ببناء، ومن الشواهد على فن العمارة في فلسطين وما تحتويه من جمال، الحمامات العامة التي تنتشر في كل المدن الفلسطينية، وتتألف من أقسام تقليدية، القسم البارد والقسم الحار والقسم الدافئ والقمّيم.
ولم يغب فن الزخرفة في فلسطين عن مدارسها المنتشرة في كل مكان، فأعطاها بذلك جمالاً خارقاً تم رسمه باستخدام أدوات بسيطة، ومن ثم إنجاز الزخرفة المناسبة لإضفاء طابع خاص عليها، ومن أبرز المدارس الفلسطينية المدرسة التنكرية في القدس، وهي من آيات الجمال المعماري والزخرفي في فلسطين على الإطلاق. وكذلك المدرسة الأشرفية والمدرسة الأحمدية، واستوعبت المدارس النشاطات الثقافية والتعليمية وتسابق القضاة والولاة في إنشائها.
ومن خصائص فن العمارة والجمال في فلسطين انتشار المزارات والمقامات والأضرحة والخوانق والرباطات التي أنشئت في شكل رئيسي إبان فترة العهد المملوكي لفلسطين، فضلاً عن ذلك كانت القلاع والأبراج في فلسطين شواهد ماثلة وحاضرة بقوة ودالة على فن البناء والزخرفة وجمالياته، حيث انتشرت تلك القلاع والأبراج في نواحي فلسطين وجهاتها الأربع. وبعد إعلان إسرائيل في أيار (مايو) من عام 1948، حاولت سلطات الاحتلال تهويد فن الزخرفة الذي طبع فلسطين بطابع خاص بها خلال قرون طويلة، ومع ان الاتفاقات الدولية تنص على حماية المباني التاريخية في حال الاحتلال تستمر السلطات الإسرائيلية في الاعتداء على الأبنية وزخارفها التاريخية في فلسطين، وهي بذلك تضرب بعرض الحائط القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية.

* كاتب فلسطيني



Add a Comment



Add a Comment

<<Home